السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
81
أصول الفلسفة
الفلسفة والسفسطة « 1 » منذ أطلّ الانسان على العالم بنظره ، ورأى الأشياء ، علم بعلم فطري أنّ في الكون دياراً سواه ، وأنّ في صحيفة الوجود موجوداً غيره ، وأنّ وراء نفسه وتصوّراته ، حقائق ثابتة ، وأنّ الجو مملوء بالموجودات العظيمة والأرض تحتوي على كائنات لا تحصى . . . علم هذا بعلم بسيط ضروري بحيث لا يعتريه
--> ( 1 ) . السوفسطائية : طائفة من الأغارقة جاسوا خلال الديار ، وجاءوا بآراء واهية في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح عليه السلام ونحن نقرأ فصلًا مشبعاً في تاريخ الفلسفة حول حياتهم وأفكارهم ، والذي دعاهم إلى تأسيس ذلك المسلك أمران : الأوّل : ظهور الآراء المتشتّتة بين الفطاحل الأعلام في الأبحاث الفلسفية فيما يتعلّق ببدء العالم ونهايته ، وموجده وغرضه ، وهذه الطائفة بما كان لهم من البساطة في الفهم لمّا وقفوا على الآراء المختلفة في الأبحاث العلمية والفلسفية ورأوا أنّ كل طائفة تخطِّئ أُخرى وترد براهينها وشاهدوا انّ التشاجر والتنازع لم يزل قائماً على ساقيه لا يقف على حد فلا ينقطع البحث ولا يصل إلى غاية ، بل كلّما اتسع نطاق البحث والجدال ، اتسعت دائرة الخلاف . وهذا التبسّط والتكثير في الآراء من جانب وبساطة إفهام القوم في تمييز الصحيح منها عن الزائف من جانب آخر ، جعل أفهامهم حيارى والعقول صرعى فأحدثوا مسلكاً خاصّاً في تحليل الحقائق وهو مسلك السفسطة على أقسامها وأصنافها التي تعرف في المتن تفصيلها . الثاني : ظهور فن الخطابة في هذه الأدوار ، وبما انّ الخطابة لا تبتني على أساس رصين ، أو قاعدة علمية أو على حس وتجربة ، وإنّما هي ذوقيات وتحليلات ، تستحسنه البسطاء حيث تجدها ملائمة لبعض قواها كان لها أشد التأثير في عامّة الأدوار ، وكان له الدور العظيم في تلك الأعصار وبلغت الدرجة القصوى حيث كانوا يستعملون الخطابة من وعظهم وإرشادهم ، ويستعملها رجال السياسة لأجل دفع الغائلات ، أو إقامة الثورات ، ويستمد منها الوكلاء في المحاكم القضائية للدفاع عن موكّليهم ، فلأجل ذلك دوّنوا لها أُصولًا وقواعد عكفوا على دراستها في المعاهد العلمية إلى أن صارت فنّاً مستقلًا ، له معهد خاص وأساتذة خاصّين . غير انّ الذي أعان كثيراً على ظهور السفسطة في الجوامع العلمية هو القسم الخاص من الخطابة ، أعني : ما كان يلقيه المحامون في المحاكم للدفاع عن موكّليهم فقد كان المحامون يتشبّثون بكل شيء ليدافعوا عن موكّليهم حقاً كان أو باطلًا ، بل ربّما كانوا يدافعون عن المتخاصمين جميعاً . هذا وذاك صارا أساساً لتشكيك القوم في ثبوت واقعية وراء التفكير الإنساني ، حيث إنّهم رأوا انّ الحقائق ملعبة التفكير ، وانّ الواقعيّات أهداف لكل مقال وخطاب يصيبها كل من أهدف ورمى ، بلا فرق بين شخص دون آخر . جرّهم هذان الأمران إلى الاعتقاد بصحة العقائد عامّة وانّ الحق والصواب لا يقفان عند حدّ ولا يدور على شيء غير التفكير الإنساني ، جرّهم إلى القول بأنّه ليس لنا حق ولا باطل ولا صحيح ولا خطأ ، ولا صدق ولا كذب ، بل الآراء كلّها صحيحة صادقة وإن كانت متناقضة في أنفسها لأنّ الحق ما رآه الانسان حقاً ، والباطل ما رآه باطلًا إلى أن اجترأوا وقالوا بأنّ الحقائق تابعة للشعور الإنساني ، حتى لو حكم الرجلان بحكمين مختلفين ، فكلاهما صحيحان . وبما أنّ القوم كانوا مهرة قومهم في فنون العصر سمّوا كل من برع في الفنون ب « سوفيست » بمعنى العالم البارع ، ولعل لفظة السوفسطائي معرّب تلك الكلمة غير أن تلك الكلمة تطلق اليوم على كلّ من لا يعتقد بأصل ثابت علمي ويقال إنّه على مسلك « سوفيسم » . ومن مشاهير تلك الطائفة « بروتاكوراس » ( 1 ) كان يقول : إنّ مقياس الحق والباطل هو الإنسان نفسه ، وكل من يحكم بشيء على طبق فهمه وإدراكه ، يتّصف بالحق والصحة ، لأنّ الحقيقة ليست أمراً وراء ما يفهمه الإنسان حتى لو اختلف الانسانان في قضائهما وشك ثالث في ترجيح أحد الحكمين فهو صادق وكاذب ، صحيح وباطل أيموصوف بهذه الأوصاف وحده ، لأنّه ليس لنا معيار وراء الأفهام والأذهان . ومن مشاهيرهم أيضاً « كوركياس » ( 2 ) غير انّه تفرّد برأي نقله عنه أصحاب التواريخ ، وهو انّه يستحيل أن يوجد شيء في العالم ولو وجد لا يمكن معرفته ، ولو عرف لا يمكن توصيفه وأقام البرهان على دعاويه . نعم كان القوم تائهين في غلوائهم ، يسوقون العامّة إلى حضيض الجهل والظلمة إلى أنّ بدّد اللَّه شملهم بمكافحة الفطاحل من الأغارقة الأقدمين كسقراط وأفلاطون وأرسطو ، فقاموا على طردهم ورد شبهاتهم حتى أوضحوا خططاً علمية ورسموا دوائر وأوضحوا بها انّ للأشياء واقعية وكيفية معيّنة لا تتجاوز عنها قدر شعرة ، وان اختلفت الآراء والأفكار في إدراكها وانّ الفلسفة هي العلم بأحوال الأعيان الخارجية على ما هي عليها ، ولو انّ الإنسان مشى في تحصيل ضالّته على نسق صحيح ، لظفر به . وقام المعلّم الأوّل بتدوين المنطق وتبويبه وإصلاحه حتى يعتصم به عن الأخطاء حتى استطاع أن يقضي على شبهات القوم بإقامة الدلائل وتوضيح المسالك غير انّ السفسطة في أُخريات أيامها أثارت فتنة أُخرى وأوجدت ضجة كبرى وهي ظهور مذهب « سپتي سيسم » ( 3 ) أيمسلك الشك والترديد وقد مشى عليه عدّة من اليونانيّين قائلين بأنّه الطريقة الوسطى بين السفسطة التي تريد أن تضرب على الحقائق بقلم عريض وعلى كل ما في الكون من وجود وثبوت سوى الإنسان وذهنه وتفكيره ، والفلسفة التي مشى عليها « سقراط » وأساتذته وتلامذته واعتقدوا بإمكان الوصول إلى حقائق الأشياء . قالوا : إنّ الطرق التي اتّخذها الإنسان لنفسه لأن يصل إلى واقعيّات الأشياء وما في الكون من حقائق ودقائق لا تعطيه يقيناً ولا اطمئناناً ، إذ الحس والعقل خاطئان في إدراكهما بلا شك في موارد شتّى ، وما رسمه أرسطوا من دوائر منطقية لعصمة التفكير الإنساني عن الخطأ لا تعطيه العصمة أصلًا ، فالأُولى تحفظاً على كرامة الواقع هو التوقّف في الرأي والسكوت دون الواقع ، من غير فرق بين المسائل طبيعياً كان أو غيره . فكان هذا مختار جماعة من الفلاسفة الذين نشأوا بعد الميلاد في اليونان والإسكندرية إلى أن ختم أمرهم وصاروا كحديث أمس الدابر ، نعم أحياه بعض فلاسفة الغرب في القرن الغابر وزاد عليه ما سكت عنه الأوائل . - . SAROGOTORP - 1 . saigroG - 2 3 - Scepticisme .